أحمد بن محمود السيواسي

93

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

أَخْلَدَ ) أي سكن واطمأن قلبه ( إِلَى الْأَرْضِ ) أي إلى الدنيا « 1 » ، والإخلاد هو الإقامة والدوام ( وَاتَّبَعَ هَواهُ ) أي هوى نفسه بالرضا بها وترك رضاء اللّه تعالى ( فَمَثَلُهُ ) أي فصفة ذلك العالم ( كَمَثَلِ الْكَلْبِ ) أي كصفة الكلب ، شبه به تحقيرا له وحطا لقدره ( إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ ) أي إن تطرده ( يَلْهَثْ ) أي يطل لسانه من فمه ( أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ) أي وإن لم تطرده يطل « 2 » لسانه أيضا « 3 » ، ومحل الجملة الشرطية نصب على الحال ، ومعناه : كمثل الكلب ذليلا دائم الذل لاهثا في الحالين ، قيل : « كل حيوان يلهث من تعب أو عطش ما سوى الكلب ، فإنه يلهث في كل حال من الراحة والشدة » « 4 » ، يعني ذلك العالم يشبه به ، لأنه ضال وعظته أو لم تعظه ، وقيل : « المراد منه كفار مكة » « 5 » ، لأنك إن قرأت عليهم آيات القرآن لم يقبلوها ويصروا على التكذيب والكفر وإن لم تقرأ عليهم لم يعلموا بما فيها فيبقون على الكفر أيضا ( ذلِكَ ) أي مثل الكلب ( مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) أي صفة المكذبين بالقرآن ( فَاقْصُصِ الْقَصَصَ ) أي اقرأ عليهم قصص بلعم بن باعورا وغيره ، فإنه مثل قصصهم ( لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) [ 176 ] أي لكي يتعظوا بأمثال القرآن « 6 » ويحذروا من مثل عاقبة من كان مثله ذلك إذا ساروا نحو سيرته فيتوبوا ويؤمنوا . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 177 ] ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ ( 177 ) ( ساءَ ) أي بئس ( مَثَلًا الْقَوْمُ ) أي مثل القوم ( الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ) فلم يؤمنوا بها وهو مثل الكلب الذي مثل به مثل بلعم الكافر المصر على كفره ، ففي « ساءَ » ضمير مبهم فاعله يفسره المنصوب بعده ، والقوم مخصوص بالذم بتقدير مثل القوم ، فحذف « مثل » وأقيم « الْقَوْمُ » مقامه ، و « الَّذِينَ » في محل الرفع « 7 » صفة « الْقَوْمُ » ، قوله ( وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ ) [ 177 ] أي وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعداها إلى غيرها يشعر بالاختصاص تقديم المفعول به ، كلام منقطع عما قبله ، ويجوز أن يكون معطوفا على « كَذَّبُوا » ، فيدخل في حيز الصلة بمعنى الذين جمعوا بين التكذيب بآيات اللّه وظلم أنفسهم بالعناد وترك الإيمان . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 178 ] مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 178 ) ( مَنْ يَهْدِ اللَّهُ ) أي من يهده ويوفقه لدينه ( فَهُوَ الْمُهْتَدِي ) باثبات الياء إجماعا ، أي فهو الذي وجد الوصول إلى السعادة وأصاب الفلاح ، أورد فيه المفرد حملا على لفظ « مَنْ » ( وَمَنْ يُضْلِلْ ) عن دينه بخذلانه ( فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ) [ 178 ] باستحقاق العذاب ، أورد فيه الجمع حملا على معنى « مَنْ » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 179 ] وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( 179 ) ( وَلَقَدْ ذَرَأْنا ) أي خلقنا ( لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ) وهم الذين كتبت عليهم الشقاوة في علمه تعالى بترك الإيمان بنبوة محمد عليه السّلام والقرآن ( لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ ) الحق ( بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ ) طريق الهداية ( بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ ) مواعظ القرآن ( بِها ) أي لا يقبلونها سمعا وطاعة ( أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ ) في عدم الفهم والنظر للاعتبار والتغافل عن الحق لا في الصورة ، يعني الكفار في غفلة عن الأمر والنهي والوعد والوعيد ، وهممهم الأكل والشرب والنوم كما هو شأن الأنعام ( بَلْ هُمْ أَضَلُّ ) من الأنعام ، لأنها إذا أحست خروجها عن الطريق عادت إليها ، والكفار لا يرجعون إلى طريق الحق بعد ما عرفوا ضلالتهم عنه ، ولأن الأنعام تعرف أصحابها وهم لا يعرفون ربهم ، ولأنها تطلب ما ينفعها وتهرب مما يضرها ( أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ) [ 179 ]

--> ( 1 ) أي إلي الدنيا ، س : أي الدنيا ، ب م . ( 2 ) أي وإن لم تطرده يطل ، ب : أي ولم تطرده يطل ، س ، أي وإن لم تطرد يطيل ، م . ( 3 ) أيضا ، ب س : - م . ( 4 ) عن القتبي ، انظر السمرقندي ، 1 / 583 ؛ والبغوي ، 2 / 573 . ( 5 ) عن مجاهد ، انظر السمرقندي ، 1 / 583 . ( 6 ) يتعظوا بأمثال القرآن ، ب : يتعظون مثل بأمثال القرآن ، م ، يتعظوا بأمثل القرآن ، س . ( 7 ) في محل الرفع ، ب س : في محل النصب الرفع ، م .